الحمد لله صاحب الفضل والجود، المنشيء من العدم إلى الوجود، الذي هدانا للإسلام باتباع هدي خير الأنام.

كانت وما زالت العرب تحفظ الأحساب والأنساب منذ قديم الزمن فكانوا في كل سنة إذا فرغوا من الحج يقفون بمنى يذكرون مفاخر آبائهم وقبائلهم وأنسابهم ولذلك نزلت الآية الكريمة ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: 200] أي أن الله يحث المسلمين على التسبيح والتهليل عقب فريضة الحج بذكرهم إياه كما يذكرون آبائهم ومفاخرهم.

فقد قال الشاعر:

نحنُ بنو المجدِ لا نرضى بغيرِ العُلا ولا نُبالي إذا سدنا بمن غضبا

ومن هذا المنطلق الذي هو غريزةٌ في النفس العربية لطالما كنت أبحث في أنساب القبيلة وأسأل هذا وذاك وأناقش وأكتب بالرغم أنه لم يخطر ببالي أنه سيأتي يوم وأجمع هذا كله في كتاب بل كان شغف وهواية ومعرفة ودراية مما جعلني أبحث عن الوثائق والمخطوطات وفي بطون الكتب القديمة ، ثم تطوّر بي الأمر إلى الإهتمام بالشعر بجميع أنواعه فهو يحفظ الأحداث ويؤرخ الأسماء وتبلغُ بهِ الغايات وقيلَ إنّ الشعر ديوانُ العرب وما أجمل ماوجدت من جزالةٍ وقوةٍ شعرية وحقيقيٌّ أن الشفعان يتميزون بكثرة شعرائهم وجزالتهم منذ القدم الأمر الذي دعاني للجمع والتدوين ومن ثم رأيت أن معظمه يرتبط بأحداث وقصصٍ تُكمّل بعضها البعض ولأن بعض القصائد يحتاج فيها القارئ إلى معرفة مناسبتها أو ربطها بقصّتها كاملة ، فاستعنت بالله بالبحث والتحقيق عند الرواة، وقد أكرم الله الشفعان بثلاث مكتبات صوتية من رجالٍ كان بعضهم قريب من معظم الأحداث مثل عبّود بن عبيد الله ابن ريمان فلديه أقدم مكتبة صوتية يملكها الشفعان حيث كان يروي عن والده عبيدالله بن شباط الذي عاصر معظم الأحداث والوقائع في نجد، كذلك مكتبة شاعر عتيبة كديميس بن صالح ابن ريمان الصوتية والكتابية ومكتبة الشاعر محمد بن حويل الشفيعي الصوتية، وهذان الرجلان معاصران وأخذت منهما الشيء الكثير كما أن هناك رواةٌ تميّزوا بحفظ الشعر القديم وورثوه كابراً عن كابر ، فمنهم الشاعر الكبير عائض بن حمدان الشفيعي والشاعر سفر بن مسفر ابن حريبيش الشفيعي وغيرهما مما لايحضرني ذكرهم .

كما اشتمل بحثي على الإستشهاد بالوثائق القديمة ، ومطالعات لبطون الكتب ومن خلالها تبين لي أن ديار جُلّ قبائل عتيبة كانت في السراة ثم لأسباب عديدة منها مابينته بعض الوثائق كالجدب و الوباء انتقل جلّهم إلى شمال وشرقي الطائف وصولاً إلى رهاط ، وهو الأمر الذي دعاني الإشارة لهذه الحقيقة في عنوان الكتاب ، الذي دعمته بما يقرب من 150 وثيقة في أوائل الصفحات ، بذلت الغالي و النفيس للحصول عليها وتقديمها إلى أبناء قبيلتي والذي كان في طيّاتها معلومات ثرية ونادرة عن الكثير من أجدادهم .

ومن ضمن محاور بحثي أيضا ( القضاء و العُرف القبلي ) ومما ساعدني على ذلك تميز قضاة الشفعان الذين برعوا في القضاء القَبَلي ومنهم : عواض بن دخيل الله بن راحم الشفيعي وفاهد بن كليب بن زيدان الشفيعي ومرشد بن راشد بن راضي الشفيعي وناشي بن معيوف بن ربيّع الشفيعي ونشاء بن زيدان بن فاهد الشفيعي ووضعت الوثائق اللازمة لذلك والقصائد عند بعضهم ومنها ما يقول الشاعر عيد بن عايش الشفيعي:

حنا قضـاة الحـق يـا طالبينه ولا نستمع فاللي ذلوله شَعَبها
المدّعي نطلب منه شاهدينه والمنكرين بدين صعبٍ عَتَبها

والشاهد على هذين البيتين ما ذكره الشيخ نشاء أمام الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود عندما كلّفه ومن معه من قضاة عتيبة بالصلح بين قبيلتين من عتيبة شمال الطائف عندما سأله الملك فيصل بعد نجاحهما في المهمة قائلاً يانشاء أنتم كيف تصلحون؟ قال نشاء: بشاهدين ووجه الله الزين، فأعجب الملك فيصل وقال هذا الشرع يا نشاء.

فذات يومٍ حصل على الشاعر والفارس مرضي ابن هاجد الشفيعي مشكلة وهو نازح في تهامة فأرسل يشرح دعواه في قصيدة إلى الشيخ نشاء بن زيدان الشفيعي والتي منها:

يا نديبي تولّم وانص قاضِ القضاه وعلّمه واحفظ القالات بشهودها
وانطح الفال عنده والغدا راس شاه حايلٍ يشتريها جايدٍ جُودها
قول له يا نشاء مرسول راعي وصاه وابن عمك يبا الرسلة ومردودها
إلى آخر القصيدة.

ومما خصّ الله به الشفعان في العقود الأخيرة منذ أواخر القرن المنصرم وحتى وقتنا القريب بشاعرين لايُشق لهما غبار أحدهما استحقّ لقب شاعر عتيبة وهو الشاعر كديميس بن صالح والآخر شاعر المحاورة الشهير مستور بن تركي الشفيعي الذي استحقّ لقب شاعر شبابه وقد تميّز في فن المحاورة وليس له ندٌّ منذ أربعة عقود.

شاركوا الشفعان في معارك كثيرة مع قبائل عتيبة عامةً والعصمة خاصة فهم فرسان وأهل حرب كما شاركوا في معارك توحيد البلاد مع الملك المؤسس رحمه الله
في الشجاعة يقول محمد بن شباط الشفيعي يذكر فعلهم برفقة قبائل عتيبة:

حِـزنا أربعيـنٍ مـن خـيـار النُّـوق غـزى عبيـد وضـفّـها
نهوي على الموت الحَمَر من فوق ورَمْحات ترعى شفّها

ومن ألقاب الشفعان: شلوة الكفار ، وقد قالها الشاعر كميخ ابن العصيمي العِمري:

يا سابر الشفعان حوّلت فالبير شلوة كفر والوقت هذه جنّي

وقال فايز بن عفنان الشفيعي بعد الانتصار على قومٍ أرادوا أخذ إبلهم:

جونا هل العادات ماضين الأفعال جونا يبون اقطاع جل الجهامي
جونا على سربٍ من الخيل نحّال يبرى لها هجنٍ سواة النعامي

أحــديــات حــربــيــة:
يقول شبيثان بن سعيلي الشفيعي:

مـا عندنا مـالٍ سبيل للمعتـدي واللـي وراه
غير الفرنج أم الفتيل والذيب نطرح له عشاه
وقال عبيدالله بن شباط الشفيعي:
حنّا مجـرّية الذليل لا جنّبـوا هيّـابـها
وحنّا مزبّنة الدخيل نفتك حمر ارقابها
وقال نهار بن عويض الشفيعي:
يا ليتني حضرت فالصرداح والله لاخـذ ثـار ابـن عبّـود
لآخذ قضيّا كـاسب الأمداح وعيبٍ على اللي مايروّ العود

وقد قيل عنهم في حُــســن الــجــوار:
ماقاله الشاعر أبو حمدا البلوي عندما علم أن صديقه الشاعر سعيّد بن سفر الشفيعي يتجهّز للعودة إلى مكة المكرمة بعد انتهاء مهمته في معسكر سكاكا إبان توحيد البلاد:

في نيّـة الخير يـا سعيّد جَوه النشاما وقفّوا به
العين تبكي على الجيّد وألّا الرديّيـن فالكوبه

كما تميّزوا في شعر الحكمة ومنه ما سمعت الناس يتناقلونه مثل أبيات للشاعر سعيّد الشفيعي:

ممشى رجالٍ مع رجالٍ معزّة وممشى رجالٍ مع رجالٍ حسايف
رجل الوفا تلقاه في كل حزة يصبر على شانك بشَيل الكلايف

ومما قيل في الكرم قصيدة : عبيّان بن مرزوق الشفيعي يمتدح بها عباس بن ناشي الشفيعي:

النّجـر حـسّـه دن في بيت عبّـاس وان كان ما ناداك نجره ينادي
يا كثر ما حط الشحم جوف محماس مع منسفٍ يشبِع كبير الهوادي

إلى أن قال:

يا طِيب ربعي عند يبسات الأبلال يصعب عليّه عدهم بالاسامي

ومنها:

حنا هل السمرا عمى كل عيّال نشرب قراح الموت شرب الضوامي

وقال الشاعر مزيد بن مسعود في كرم فلاح بن عمران الشفيعي:

ملفاك ابن عمران والصبح ما بان تلقون كيفٍ فالبيوت الظليلة
صينيّته فيها الشحم وأكبر الضان واللي حوالي البيت لازم يجي له

ويقول مقبل بن هملول الشفيعي:

يلفي على ألاد شافع زبن من قلّت مواشيه مريّعين الغلط بأيمانهم يوم الزعامي

وقال فيها:

يا بندقي اعذريني حكم ربي من يعاصيه مثل عشيرٍ عطى حله ورقته بالولامي
قدّام حكم السعودي كل مرقابٍ نعدّيه أمّا رمينا الضبا والا رمينا بك حرامي

أخيرا المبحث الجيني ومواكبة العلم الحديث :

لقد أسست مشروع العصمة الجيني في عام 2017 لمعرفة الأنساب عن طريق الشريط الوراثي (DNA) وقد حظيَ اهتماماً بليغاً من أبناء القبيلة حتى بلغ عدد العينات 90 عينة ممّا يقرب من 64 خامس من قبيلة العصمة الكرام كما أضيف عليه ضيوف المشروع المفحوصين من مختلف قبائل عتيبة، واعتنى كذلك بالتحور الذي جمع بين عتيبة وبني الحارث في الحجاز ZS5804 .