
مجالس الأدب الافتراضية: بين إحياء الفصحى وعثرات الاجتهاد، قراءةنقدية في مجالس”البودكاست” الشعري
مجالس الأدب الافتراضية: بين إحياء الفصحى وعثرات الاجتهاد،
قراءةنقدية في مجالس”البودكاست” الشعري
إن الناظر في واقعنا الثقافي اليوم، ليرى ظاهرة جديرةً بالاحتفاء، تتمثل في تلك المجالس الأثيرية التي تتخذ من الشعر الفصيح مادةً لها. والحق يقال، إن لهذه البرامج يداً بيضاء في إحياء الشعر الفصيح، وإنزال القصيدة من صومعتها وعاجيتها إلى نبض الشارع وتفاصيل الحياة اليومية. لقد بدَّدت هذه المجالس وحشة المتلقي من لغته، وفكت عقدة التهيب من الفصحى؛ فبات المستمع يدرك أن الشعر ليس طلاسم تُفك في قاعات الدرس، بقدر ما هو لغة حياة يتنفسها العربي في غضبه ورضاه، وفي حربه وسلمه وشانه كله.
ومما يُحمد للمتحدثين فيها، تلك الملكة الحاضرة في استدعاء الشواهد، وضم الأبيات إلى نظائرها، ووصل حبال الأقدمين بالمحدثين؛ مما يحرر لسان المتلقي ويعيد تشكيل وجدانه. غير أن هذا الصنيع المحمود يفتقر في بعض الأحيان إلى المنهج العلمي والرصانة النقدية؛ فإن من حق الأدب علينا أن نزنه بميزانٍ دقيق، وأن نُسدي النصح الأخوي لمن تصدى لعرضه، بعيداً عن تصيد الزلات، بل غيرةً على التراث وتصحيحاً للمسار، لا سيما حين يتصل الحديث بشعر “الرثاء” ذي الأبعاد النفسية والاجتماعية العميقة.
ومن خلال استقراء بعض هذه الحلقات، استوقفتني ملاحظات منهجية نضعها بين يدي صناع هذا المحتوى، من باب التناصح المعرفي:
أولاً: وأد السياق وتغييب العمق الأنثروبولوجي
لعل أول ما يستوقف الباحث في هذه الحلقات، ذلك التجاوز العجيب للسياق؛ إذ صرح أحد الفضلاء في برنامجه أن “السياق لا يعنينا كثيراً”، وهذا رأي ينقض أصول القراءة الأدبية. إن القصيدة الجاهلية، والمرثية على وجه الأخص، هي ابنة بيئتها، وارتباطها بطقوس البادية، وأنظمة الثأر، وتقاليد القبيلة، ارتباط وثيق لا ينفك. إن استقطاع الأبيات لغرض الإطراب السمعي فحسب، يفرغ القصيدة من دلالاتها الأنثروبولوجية، ويحرم السامع من فهم العقلية العربية القديمة التي أنتجت هذا النص. وتراهم إزاء هذا التغييب للعمق الثقافي والاجتماعي، يكتفون بنقل الصورة العاطفية الظاهرة للرثاء، فيقفون مثلاً عند عبارة (عليك سلام الله) ليقولوا: إنها قفلة تكثر في الرثاء، دون أن يحاولوا سبر أغوار هذه الظاهرة أو تقديم تفسير لها. وقد تناولتُ شطراً من هذه المسائل في كتابي “الأثافي”، وحاولت تقديم إجابات منطقية عن بعض الظواهر الرثائية التي تتجاوز القراءة السطحية.
ثانياً: التبرير السطحي
ومن ثمرات إهمال السياق، اللجوء إلى تبريرات يمجّها العقل والمنطق؛ ففي تفسيرهم لعادة العرب في الدعاء بالسقيا للقبور، زعم أحدهم أن ذلك يعود إلى أن منظر القبر حين ينبت عليه الربيع يكون جميلاً للعين! وهذا ترفٌ بصري لا تعرفه العرب في صحرائها القاحلة الموحشة. ومثال آخر لا يقل عجباً، حين توقفوا عند ظاهرة ندرة رثاء الإخوان لأخواتهم البنات، وهي إشارة جيدة في ذاتها، لكنهم لم يقدموا تحليلاً علمياً لسبب هذه الندرة، بل حاول الضيف تبرير ذلك بقول الشاعر: “كُتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول”، وهذا تعليلٌ ظاهر الضعف والقصور.
ثالثاً: جناية الانطباعية على المنهجية العلمية
ويزداد الأمر خللاً حين تطغى الانطباعات الشخصية العابرة على الاستقراء العلمي المتأني. فتسمع من يقرر بثقة أن رويّ حرف (العين) يكثر في المراثي، ولو كلّف نفسه عناء الرجوع إلى دراسة الدكتور إبراهيم أنيس في “موسيقى الشعر” (ص264) لوجد أنه لم يجعل حرف العين في المرتبة الأولى، بل في المرتبة الثانية ذات الحضور المتوسط. وقد أجريتُ استقراءً -وإن كان ناقصاً- في كتابي “رثاء الأولاد”، تتبعتُ فيه مدونة المراثي وجمعتُ ما يربو على مئتي قصيدة، فلم أقع على رويّ (العين) إلا في تسع قصائد ؛ أي بنسبة ضئيلة لا تتجاوز 4.5%. فأين هذه النسبة من دعوى الكثرة والاطراد؟ وتسمع آخر يقول: “أحس أن رثاء جرير أصدق من الفرزدق”، وهو كلام وإن وافق الصواب، إلا أن الموازنات النقدية لا تُبنى على “الإحساس” المجرد، بل على النقل أو الاستقراء. ألم يقرؤوا في “الموشح” للمرزباني (ص154) حين سُئل بشار بن برد عن جرير والفرزدق والأخطل، فقال يفضل جريراً: “ولقد ماتت النّوار فناح عليها النساء بشعر جرير”؟ هذا هو الدليل المعتبر، لا مجرد الذائقة المرسلة. ويمتد هذا الإطلاق ليطول أخلاق الشعراء بلا دليل، كقولهم: “دريد بن الصمة رجل نبيل” أو “أبو تمام صاحب خلق”.
رابعاً: الأحكام الجائرة وغياب الدقة التاريخية
ولا يقف الأمر عند الانطباعات، بل يتجاوزها إلى أحكام غير منصفة، وأخطاء تاريخية لا ينبغي أن تصدر عمن يتصدر للحديث في الأدب. فمن الإجحاف وصف شعر ابن عبدربه الأندلسي بأنه “شعر وسط”، ولو طالعوا كتاب السيوطي “بغية الوعاة” (1/ 371) لوجدوا قول ابن الفرضي عنه: “عالم الأندلس بالأخبار والأشعار وأديبها وشاعرها”، وقال إحسان عباس في فهرس كتاب ” التشبيهات من أشعار أهل الأندلس ” (ص282): “لم يكن في عصره من شأى شأوه في الشعر، ولكن المشارقة اهتموا بكتابه (العقد) أكثر من اهتمامهم بشعره”، وقال الثعالبي عنه في “يتيمة الدهر” (2/ 85): “وشعره في نهاية الجزالة والحلاوة، وعليه رونق البلاغة والطلاوة”.
أما الأخطاء التاريخية، فمن أشنعها زعم أحدهم أن البارودي كتب مرثيته الشهيرة في أبيه (لا فارس اليوم يحمي السرح بالوادي) وهو في السابعة من عمره! وهذا ما لا يقبله عقل ولا يؤيده نقل، والصحيح أنه كتبها في العشرينيات من عمره. ومن ذلك قولهم إن عاطفة المرأة تتفوق في موضوع الرثاء، عازين هذا الرأي لابن رشيق؛ وهو فهم لا يصح عنه، وإلا لأصبح الرثاء حكراً على النساء، والمعلوم تاريخياً أن أول من سنّ الرثاء هم الرجال. ومن طريف ما يُستغرب في غير موضعه، تعجب أحدهم قائلاً: “يكثر الرثاء في شعر الأندلس، وهذا غريب!”، ولا ندري ما وجه الغرابة؟ هل كان أهل الأندلس مخلدين لا يموتون أم عدموا الشعراء؟
خامساً: إضاعة الإشراقات البلاغية
تمر في ثنايا الحلقات مفردات عبقرية تُشرح على عجل فتفقد بريقها، وفيها تجاوز للإشارات البلاغية التي يزيد بها النص إشراقاً متى ما شُرحت. ففي سياق حديثهم عن قصيدة متمم بن نويرة، اكتفوا بتفسير “الشارف” بأنها الناقة، والصحيح أنها الناقة المسنة، وهي مضرب مثل عند العرب في فرط الحنان ولوعة العاطفة، كما ذكر أبو عبيد في “الأمثال” (ص374) قوله: “إنَّه لأحن من شارفٍ”. فبيان هذا المعنى يضع يد المستمع على عبقرية الشاعر في اختيار لفظه.
سادساً: طغيان المؤدي على عبقرية النص
لا بد من الإشارة إلى أمر يخص الإخراج الصوتي في هذه البرامج؛ حيث يطغى “المؤدي” على النص. فكثيراً ما يكون التأثر الذي يعتري السامع نابعاً من حنجرة الراوي، ووقفاته المفتعلة، فتتوارى عبقرية النص وجلاله خلف هذا التلاعب العاطفي.
ومن الملاحظ أيضاً غيابُ (الميزان النقدي) عن ساحة هذه المجالس؛ فتراهم يعقدون الحلقات ويفضّونها على محض الإطراء والتسليم، ويتلقفون القصائد بانبهار لا يفتر، كأن كل بيت يُنشد معجزةٌ معصومة، وكل شاعرٍ نسيج وحده.
ولستُ أطوي هذه الصحيفة إلا على كلمة شكر صادقة للقوم، فقد أحسنوا الصنيع، وحركوا سواكن النفوس، وفتحوا للناس نوافذ الأدب. غير أني أضع يدي على كتف المستمع وأقول له بلسان الناصح: احذر يا صاحبي من “وهم الثقافة”؛ فالعلم لا يُنال بالاتكاء، والسمع وحده لا يصنع مثقفاً. هذه المجالس الأثيرية مفاتيح طيعة، ومشهيات محببة، تدفعك لتنفض الغبار عن الكتاب لا لتستغني به عنه. فإن الأدب مكابدة، والفهم غوص ومساءلة للسطور، فاجعل من هذه الحلقات خطوتك الأولى على الدرب، ولا تظننها أبداً نهاية المطاف.