زمن المذلولين باثولوجيا العلاقات الدولية
4.000 د.ك
ينطلق بديع في الفصل الأول من كتابه الذي حمل عنوان “أفخاخ الحياة المشتركة للشعوب” من فرض أساسي وهو أن الشأن الدولي يصير اجتماعيًا وتزداد صورته التي شبهها بعملية تكتونية (تغير ضخم يصيب تركيب المجتمعات) بالتزامن مع تكثيف التجارة الدولية نشاطها على نحو هائل، وكذا الطريقة التي يُنظَّم بها الإنتاج، تتسم بأهمية بالغة، لأنها تُعبر عن حياة الكائنات البشرية.
الإذلال هو تلك الظاهرة الاجتماعية بامتياز لنظام دولي يتنازعه فيض القوة والنقص المتنامي. ولم تعد النزاعات تعكس المنافسة وإنما عدم المساواة؛ ما أدى إلى استبدال النمط الاعتيادي لنزاعات القوة الكلاسيكية في الزمن الوستفالي، حيث المواجهة كانت بين متساويين يقر أحدهما بحق الآخر وبمقدرته على مشاركته في إدارة ساحة دولية أقل اتساعًا. أما عالم اليوم الذي يعيش على إرث اختراع أوروبا لمفهوم “الدولي” فيبدو مترددًا وعاجزًا عن استنباط قواعد مقبولة للجميع. ومن هنا فرض الإذلال نفسه بوعي أو بلا وعي على نمط السلوك الدولي، وتجسد بأشكال دبلوماسية تكاد تكون ممأسسة وعملانية وتعمل بصورة روتينية، كطرائق وجود سلوك نعتبرها بديهية وحتمية ولا مفر منها: كأن يتم الإعلان من باريس عن إجراء انتخابات في مالي، أو أن نحظر على فريقٍ امتلاك السلاح النووي، بينما نجيز ذلك لآخر، أو أن نسخر من تدخل قوة ناهضة في حل مسألة دولية حساسة، على غرار ما فعلت البرازيل في عهد الرئيس لولا وتركيا في عهد أردوغان، حين أمسكا بالملف الإيراني في أيار/ مايو 2010.
يستعرض بديع في الفصل الثالث من القسم الأول نماذج الإذلال في العلاقات الدولية، وصنفها أربعة: الإذلال بواسطة الانتقاص، والإذلال بواسطة إنكار المساواة، والإذلال بواسطة الإقصاء، والإذلال بواسطة الوصم.
يشخّص بديع النظام الدولي بأنه مصابٌ بمرض الإذلال، وهو ما يرويه ويُنتج إستراتيجيات ويثير ردّات فعل من كل الأنواع، تقوده إلى عمليات التقييد الأكثر تعقيدًا. إن رسوخ الإذلال في النظام الدولي الحالي هو حصيلة ثلاثة أبعاد يتناولها بديع في القسم الثاني من الكتاب ويخصص لكل منها فصلًا بذاته. وأول هذه الأبعادالعوامل هو ما يسميه بديع “اللامساواة التأسيسية” أو الماضي الكولونيالي. فقد انبثق النظام الدولي من تفكك النظام الكولونيالي في عملية غير منضبطة وجائرة شملت أكثر من ثلثي الدول الحالية.
والبعد الثاني هو “اللامساواة المهيكِلة”، أي أن تكون خارج النخبة، وهي اللامساواة التي تحول دون أن يكون لكل دولة في النظام الدولي فرصٌ متساوية للمشاركة في القرار الدولي، ومن ثم تكون لها فرصٌ متساوية للحصول على الموارد. وراحت هذه اللامساواة تضغط إلى حد أنها لم تعد تعكس حقيقة موازين القوى الديموغرافية والاقتصادية، وحتى الثقافية والسياسية بين الدول. فالهرمية في بنية النظام الدولي التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية تتسم بالثبات والهيكلية.
ويرى بديع أن اللامساواة التأسيسية واللامساوة المهيكِلة تستمدان حيويتهما من “لامساواة وظيفية” (أن تكون خارج الحوكمة)؛ أي أنّها ترتبط بظرف عمل وحوكمة النظام الحالي بالذات، وهذا النظام يصفه بالأوليغارشي والإقصائي العفن.
يبحث بديع في القسم الثالث من الكتاب في السلوكيات التي تتبلور نتيجة الإذلال، لذا ينبغي وضع نماذج سلوك تندرج ضمن إطار الرد المعاكس عليه، والذي يأتي في مستويات مختلفة يعمل على وصفها وتصنيفها. والجدير ذكره، أن هذا النظام يندرج ضمن الحداثة، بل إنه في صلب العولمة.
