مقالة في العبودية المختارة
2.250 د.ك
الكتاب الذي بين أيدينا، ماهو إلا مقالة طويلة كتبها “إيتان دو لا بويسي” عام 1576م. وهي محاولة من الكاتب في تقصي”أسباب خضوع الناس لحكم شخص واحد، لا يملك من القوة إلا ما أعطوه”، ويرجّح معظم الباحثين: أن الأسباب التي قادت “إيتان” إلى كتابه هذا، تعود إلى ما شهده عصره من اضطهاد بسبب الاختلاف الديني، وإلى المآسي التي وقعت في أثناء الحرب الأهلية الضارية، بين البروتستانت والكاثوليك، إضافة إلى الانتفاضات التي قامت ضد التعسف الضريبي في بعض المقاطعات الفرنسية المحرومة، والقمع الدموي الذي مارسته القوات الملكية لفرض النظام.
حقيقةً، لا يختلف مضمون ما كتبه “إيتان دو لا بويسي” عن جوهر ما كُتب في “التوتاليتارية”: من توصيفات، ومن أسباب، ومن نتائج، ومن جذور وثمار. وحين نقرأ بعض الأفكار والعبارات في هذا الكتاب، نحسب أنفسنا نطالع كتاب “الكواكبي”، بدءًا من تشخيصه لمرض الاستبداد وطبائعه، وانتهاءً بالدواء الذي اجترحه لمناهضة الاستعباد؛ ومن هنا تأتي راهنية ما جاء في الكتاب، مع اختلافه زمانًا ومكانًا عن حالنا اليوم، إلا أن ركائز الاستبداد والمستبدين والمستبَد بهم هي ذاتها. كما هي ذاتها الأسباب والنتائج والجذور والثمار.
“العبودية المُختارة”، هي: مرافعة ضد الطغيان مطلقًا، وضده براهنيته أيضًا، وهي تطرح مسألة شرعية الحكام الذين يسميهم الكاتب “أسيادًا” أو “طغاة”، مهما كانت ظروف وصولهم إلى السلطة، سواء أكانت “بالقوة، أم بالوراثة، أم بالانتخاب”. وهو يقول: العادة أكثر من الخوف، هي التي تفسّر استمرار الشعب المستعبَد في احتمال وطأة الاستعباد، ثم يأتي الدين والخرافة كعاملين من عوامل الخضوع، إلا أنهما لا ينطبقان إلا على الجهلة من العوام.
وحول “سر كل طغيان” يقول الكاتب: يكمن في إشراك فئة قليلة من المستعبَدين في اضطهاد بقيتهم، إنهم هؤلاء المتملقون المقربون إلى الطاغية الذين يختارون العبودية طواعيةً، بينما يكون الشعب مُكرهًا عليها.
يؤكد الكاتب- في محطات عديدة من هذا الكتاب- على أن “موافقة المُسترقّين لا قوة الطاغية: هي التي تؤسس الطغيان. وإن قبول الشعوب باسترقاقها المتأتي من رغبتها، ومن أنانيتها، ومن طمعها: هو الذي يتيح لواحد، تعضده شبكة رقيق ذات تسلسل هرمي ومتضامنة، أن يوطد سلطان برضا الجميع”.

