مارد الهضبة
2.250 د.ك
الجروح التي تحدثها الحروب بين الأمم جروح لا تندمل بسهولة. فهي تبقى عالقةً في النفوس لزمان طويل، وكثيراً ما تصبح آثارها جزءا من المزاج الشعبي العام، خاصة عندما يكون الدين عنصراً رئيساً في الحرب المعنية. كتب سيساي أسيفا في مقالته: “القرن الإفريقي: الخلفية التاريخية، والمنظور، والمبادرات الإقليمية”، التي تم نشرها في صحيفة “أديس تربيون”، التي تصدر في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في عددها الصادر في 30 مايو 2003، عن لجوء المسلمين إلى الحبشة في بداية الدعوة الإسلامية في القرن السابع الميلادي. وأشار أسيفا إلى أن استضافة الحبشة للاجئين المسلمين جعلت النبي محمداً يوصي باستثناء الحبشة من حروب الجهاد الإسلامية. ويضيف أسيفا قائلاً، إلا أن هناك استثناءات خرقت تلك القاعدة، كغزو أحمد بن إبراهيم الغازي (المعروف بالأعسر، أو الأشول)، الذي تم دحره في العام 1543م. أما التهديد الإسلامي الثاني الذي تعرضت له أثيوبيا، على حد قول أسيفا، فقد كان هجوم المهدويين في العام 1888م، على عاصمة أثيوبيا السابقة قُنْدَرْ، الذي تم دحره في معركة المتمة، على الحدود الإثيوبية السودانية. الشاهد أن ذاكرتنا العربية الإسلامية، وذاكرتنا السودانية، إضافة إلى الذاكرة الإثيوبية، تلونت جميعها بلون الحروب ذات الصبغة الدينية التي جرت، وبلون المطامع التي أعربت عن نفسها عملياً، في أكثر من منعطف تاريخي. وفيما يخص صلتنا بالجارة إثيوبيا، فإن هناك شوائب من الاستصغار العرقي والديني، لوَّنت جملة الأمر بلونٍ قاتم. ولن يمحو ذلك اللون القاتم وآثاره السالبة من ذاكرتنا وذاكرة الإثيوبيين، سوى وعيٍ جديد، تعتنقه نخبٌ، نابهةٌ، جديدةٌ، تعرف كيف تمحو عن عقلها، ووجدانها، أصباغ الحروب والمطاحنات السابقات، بالانعتاق من أسر الشوفينيات التاريخانية، لتنظر، من ثم، إلى معطيات الحاضر، ووعود المستقبل، بعقل صافٍ، وقلبٍ سليم.

