شاعر عتيبة

 

يُعد شعر النقائض فنّاً شعريًا عربيًا أصيلاً، ازدهر بقوة في العصر الأموي (خاصة على يد جرير، الفرزدق، والأخطل) كصراع أدبي وسياسي اجتماعي، يدمج بين الفخر والهجاء. يلتزم الشاعر فيه بنفس بحر وقافية قصيدة خصمه، ناقضًا معانيه ومفاخره، لتوثيق حروب القبائل، والمواقف السياسية، وإبراز القدرة اللغوية والفنية.

إلا أنّ جريراً عُرف بلسانه السليط وقدرته على الهجاء اللاذع والفرزدق ركّز على الفخر بنسبه وعائلته والأخطل اشتهر بنقائضه التي تمزج بين الهجاء والفخر.

وما أشبه اليوم بالأمس حيث اندلعت في نجد صراعات قبليّة وسياسيّة وعدم استقرار من أجل الكلأ والماء امتدّت لقرنين من الزمن، وقد برع في هذا الفن شعراءٌ من عدة قبائل ممن تعنيهم تلك الصراعات فكل قبيلة تفتخر بشعرائها وحُق لها ذلك فهو لسانها والمحامي عنها.
وقد هيّأ الله لقبيلة عتيبة قامة أدبية فريدة يكتب بأسلوب “السهل الممتنع” يجمع بين بساطة اللفظ وقوة المعنى وعمقه ، يتميّز شعره بعذوبة الكلمات وقربها من لغة الحياة اليومية، ويُمثل صياغة إبداعية يعجز غير الموهوب عن محاكاتها محققاً المعادلة الصعبة في أدب البادية ، ليصبح شعره كالحِكم والأمثال، سريعة الحفظ، راسخة في الوجدان، ومؤثرة بصدقها وعمقها. 

رسم لنا لوحات فنيّة عن حياة الصحراء والمعارك بقوة ووضوح

أنا ربعي عتيبة لا مشى الطابور للطابور على سرد الرمك ناطا المحاري واقر يا قاري
ليا اشتد القتال وعجّته غطّت خشوم القور ولو صار انتحاري ما نداري واقر يا قاري

عتبان يزبنهم كبير الجنايه اليا مالقى عند القبايل مداخيل
شرقي منازلهم بلاد الفوايه وغربي منازلهم بلد محبس الفيل

ومنها:

يوم القبايل عندها نجد غايه وعلى امتداده معتلج قرّح الخيل
وسنّ الأسنّة مثل شمس المرايه وهجنٍ مشاويحٍ وخيلٍ مشاويل
أخذوا على المثناه صك الولايه من محكمة حدب السيوف المصاقيل

كما تميّز شاعرنا بقوة السبك: رغم بساطة الظاهر ، إلا أن القصيدة متماسكة كأنها عقد فريد، وبعض قصائده تجاوزت 130 بيتاً لا ترى آخرها يضعف عن أولها ولا تجد حشواً ليس في محله.

وهنا قوةٌ في التصوير، وصدق في التعبير :

وتقرّر المحـدار بالخُف والقَيـن نمرا وفـاوّلها يـرفـرف لـوانا
وندري إن ما قدّامنا مزرعة تين لكن على روس الأفاعي وطانا
زحنا قبايل نجد عن نجد نصفين وجينا بمثناة البلاد وبنانا

سر يا قلم ننقض فتل من تحدّاك وحدّه على روس الحداد الرقاقه
واعرض لخبّاط الشجر حمر الأسلاك حتى يبين اللي سلوكه دقاقه

القدرة على إيصال الرسائل المبطنة بحكمة متناهية:

ليا غاب نجمٍ من سمانا يبين نجوم بها يهتدي المنجوم والجو مغبرّه
وله ماكرٍ نادر حراره يجي جزوم ليا هد في طابور قوم اركبه صرّه
جزومٍ حدومٍ ساطيٍ مخلبه مسموم يهوش العقاب الصيرمي من كثر شرّه

يحترم قوة خصوم قبيلته ولا يستهين بهم أو يقلّل من شأنهم :

كم شيخ قومٍ تعدّينا على حدوده ولو كان من هيبته تهتز الأجنادي
بعنا معه وأشترينا عند مشدوده وخلّى المظاهير واقفى فوق الأجيادي

حفظه للتاريخ واستشهاده بنصوص الكتب التاريخية:

على صفحة التاريخ محفوظ ما جرى وعن اللي جرى اللي ما درى ينشد الداري
إبن بشر والجاسر مسمّين من سرى وكتاب الخميس مسميٍ منهو الساري

قال فيه الشاعر محمد بن محسن المقاطي العتيبي :

من شاعر العتبان صرتوا محمّم فِتل لكم عوباً غشومٍ عباها
من سمعها لا ضاق قام وتلطّم ما جِد حشركم بالمعاني سواها
من فتل أبو صالح ليا منّه أبرم عُوب المعاني تِعجز اللي فلاها

وقال الشاعر خالد بن غنّام السهلي في وصفه لمعارك شاعرنا :

اللي مواقفْه ما يقدر لها غيره حميّته عن حمى العتبان مشعلها
يصامد الخصم حتى يبرك بعيره يسوق عدوانه وييبس بلايلها
شعر النقايض تعدى اشهر مشاهيره جريرها مع فرزدقها مع أخطلها
ليا شاف الأخصام فوق الخيل ومغيره نزل لها ثم نازلها ونزّلها

مشاركة المقال:

مقالات قد تعجبك